القاضي عبد الجبار الهمذاني
459
شرح الأصول الخمسة
وبعد ، فلو كان التفضل مضمرا في الجملتين جميعا على ما ظنوه ، لوجب إذا أظهر في الجملة الثانية ما يخالفه ، فيقول : ويغفر ما دون ذلك لمجتنبي الكبائر أن يتناقض كلامه كما في قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] فإنه لما اقتضى بظاهره نفي التأفيف وبفحواه نفي الشتم والضرب ، لم يجز أن ينضم إلى ما يخالف فحواه فيقول : فلا تقل لهما أف واضربهما ، لأنه يعد كلامه في المناقضة ، كذلك كان يجب مثله هاهنا ، ولهذا الوجه منعنا من القول بدليل الخطاب ، وقلنا : إن قوله عليه السلام : « في سائمة الغنم الزكاة » لو دل على ما لا زكاة فيه ، لكان يجب إذا قال : في سائمة الغنم زكاة وفي المعلوفة أيضا زكاة أن يتناقص كلامه لأن المناقضة هي أن يثبت بآخر الكلام ما نفى بأوله أو ينفي بآخره ما أثبته بأوله ، وعلى زعمهم هذا ، لو قال : في سائمة الغنم زكاة ، كان قد أثبت الزكاة في السوائم بالظاهر ، ونفاه عن المعلوفات بدليل الخطاب ، ومتى قال بعده : في المعلوفة أيضا زكاة ، كان قد أثبت بآخر الكلام ما نفاه بأوله ، وهذا صريح المناقضة على ما ذكرناه . كذلك في هذه المسألة التي نحن بصددها . وبعد ، فلو كان الأمر على ما ذكرتموه ، لكان يجب أن لا يغفر اللّه تعالى ما دون الشرك بالتوبة ، لأنه وعد أن يغفره تفضلا ، والمعلوم خلافه ، فهذا هو الكلام على الوجه الأول . وأما ما ذكروه ثانيا ، من أن الواجب لا يعلق بالمشيئة ، فلا يصح ، لأنه كما يراد التفضل ويعلق بالمشيئة ، فقد يراد الواجب ويعلق بالمشيئة ، وعلى هذا قوله تعالى : وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فعلق قوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ بالمشيئة ، مع أنه إما أن يراد به قبول التوبة أو اللطف للتوبة ، وأي ذلك كان فهو واجب عليه ، فصح أن تعليق الشيء بالمشيئة لا يقدح في وجوبه ، والغرض بهذا الجنس من الكلام الإبهام على السامع ، وذلك مما لا مانع يمنع منه إذا تعلق به الصلاح ، ونظيره قوله تعالى : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) [ الصافات : 147 ] أبهم على السامع لما كان الصلاح تعلق بأنهم لا يعلموا كم كانوا . وأما ما قالوه ثالثا ، من أنه أضاف الغفران إلى نفسه ، فالذي له ولأجله جاز تلك الإضافة ، هو أنه تعالى لما كان هو المعاقب ، وكان هو الذي لا يختار أن يعاقب المكلف العقوبة التي كان يستحقها من قبل ، لم يمتنع أن يضيفه إلى نفسه سواء كان واجبا أو من باب التفضل ، وعلى هذا صح قوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ